أخبار

ما وراء الكلمات

ما وراء الكلمات

ما وراء الكلمات
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

التواصل الإنساني ليس مجرد رصفٍ للحروف أو إتقانٍ لمخارج الأصوات، بل هو حالة من تلاقي الأرواح قبل الألسن. فالحقيقة التي لا غبار عليها هي أن من يحمل في قلبه رغبةً صادقةً في إدراك كنهك وفهم مقاصدك، سيفعل ذلك حتمًا؛ حتى وإن خانتك العبارة، أو تاهت منك المعاني في زحام الارتباك، أو جاء تعبيرك مشوشًا يفتقر إلى الترتيب والبيان. ذلك لأن عين المحب -أو الصديق المنصت- تقرأ ما خلف السطور، وتسمع رنين الصدق في نبرة الصوت لا في فصاحة الكلم.
​وعلى النقيض من ذلك تماماً، نجد أولئك الذين أوصدوا أبواب عقولهم وقلوبهم دونك؛ فهؤلاء لن يدركوا مرادك ولو صغتَ لهم من الكلمات درراً، ولو استعرتَ لسان أفصح البلغاء لتشرح موقفك. إنهم يقرأونك من خلال عدساتهم الضيقة وتأويلاتهم المسبقة، فيتحول الوضوح في حضرتهِم إلى غموض، ويصبح البيان لغزاً لا حل له، لأن المعضلة ليست في لسانك، بل في انعدام إرادة الفهم لديهم.
​جوهر الرغبة في الاحتواء
​ليس من الضروري في هذه الحياة المزدحمة أن تجد شخصاً يفهمك فهماً مطلقاً، أو يحيط بكل تفاصيل تعقيداتك النفسية، فالنفس البشرية محيطٌ عميق لا يدرك قراره أحد. ولكن، تكمن القيمة الحقيقية والأهمية القصوى في وجود روحٍ “ترغب” في فهمك؛ تلك الروح التي تبذل الجهد لتسأل، وتحاول جاهدةً أن تضع نفسها مكانك، وتصبر على صمتك الطويل وتلعثمك المفاجئ. هذه الرغبة هي جسر المودة الذي لا ينهار.
​حين يتفوق الفهم على الحب
​قد يبدو الأمر غريباً للوهلة الأولى، لكن أن تجد من يفهمك هو أثمن وأندر بكثير من أن تجد من يحبك. فالحب قد يشتعل بدافع الإعجاب أو الانجذاب اللحظي، لكنه قد يظل أعمى يظلمك بجهله بطبيعتك. أما الفهم، فهو الأمان؛ هو أن تشعر بأنك لست مضطراً لتبرير كل فعل، أو تفسير كل نظرة. الفهم هو “السكينة” التي تجعلك عارياً من أقنعة التصنع، مطمئناً إلى أن صورتك في قلب الطرف الآخر لن تشوهها هفوة تعبير.
​الخلاصة المدهشة
​والآن، قِف معي وقفة تأمل في هذا المزيج الساحر تخيل تلك الروعة المتناهية، والبهجة التي لا تضاهيها بهجة، حين يجتمع في شخص واحدٍ صفتان؛ أن يمتلك القدرة على فهمك والوعي بتفاصيلك، ويمتلك في الوقت ذاته قلباً ينبض بحبك. إنها ذروة التناغم الإنساني، أن تكون “مفهوماً” و”محبوباً” في آن واحد، كأنك وجدتَ أخيراً المرفأ الذي تستريح فيه من عناء الشرح الطويل.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى